2026-07-04 07:51
تتابع لجنة دعم الصحفيين بقلق بالغ النقاشات القانونية المرتبطة باتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران/يونيو 2026، ولا سيما ما يتعلق بنص المادة 13 منه الذي يتضمن التزاما لبنانيا بـ"وقف جميع الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية" والتي يمكن تفسيرها بما يؤدي إلى تقييد حق الوصول إلى آليات العدالة الوطنية أو الدولية بشأن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال الأعمال العدائية الإسرائيلية ضد لبنان.
وتؤكد اللجنة أن إنهاء النزاعات وتحقيق الاستقرار يمثلان هدفين أساسيين لحماية المدنيين، غير أن أي مسار سياسي أو تفاوضي لا يجوز أن يؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تعطيل حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف والعدالة وجبر الضرر، أو إلى الحد من واجب التحقيق والمساءلة عن الجرائم الخطيرة بموجب القانون الدولي.
وترى اللجنة أن أي التزام تقدمه الحكومة اللبنانية ويقضي بوقف الإجراءات أو التحركات في المحافل القانونية الدولية ينبغي تفسيره تفسيراً ضيقًا بما يتوافق مع القواعد الآمرة في القانون الدولي والالتزامات الناشئة عن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وبما لا يمس الالتزامات الدولية للدولة اللبنانية، وبما لا يحول دون ملاحقة الانتهاكات التي قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب أو الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. فالحق في المساءلة عن مثل هذه الجرائم ليس حقاً سياسياً تملكه الحكومات وحدها، وإنما يرتبط بحقوق فردية للضحايا وبمصالح أساسية يحميها النظام القانوني الدولي.
تؤكد اللجنة ضرورة تفسير المادة (13) من اتفاق الإطار بما ينسجم مع التزامات لبنان بموجب القانون الدولي، وبما يضمن عدم استخدامها أو تطبيقها بصورة تؤدي إلى تقييد أو المساس بحق الضحايا أو ذويهم أو ممثليهم القانونيين أو منظمات المجتمع المدني في الوصول إلى آليات العدالة والمساءلة، سواء أمام الجهات القضائية الوطنية أو الآليات الدولية المختصة. كما تشدد اللجنة على عدم جواز اتخاذ أي إجراءات قانونية أو سياسية من شأنها منع ممارسة هذه الحقوق أو تعطيلها أو عرقلة جهود توثيق الانتهاكات والسعي إلى الحقيقة وجبر الضرر، باعتبار أن الحق في الوصول إلى العدالة والانتصاف الفعّال حق أصيل تكفله قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان ولا يجوز التنازل عنه أو تقييده بموجب أي تفاهم سياسي.
وفي جميع الأحوال تنبه اللجنة الى أنه لا يجوز الاحتجاج بأي اتفاق سياسي لتبرير الامتناع عن التحقيق في الانتهاكات الجسيمة أو منع الضحايا من الوصول إلى العدالة أو تكريس الإفلات من العقاب.
كما وتشدد لجنة دعم الصحفيين بصورة خاصة على أن الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام يتمتعون بالحماية المقررة للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، التي تؤكد وجوب حماية الصحفيين الذين يباشرون مهام مهنية خطرة في مناطق النزاع المسلح.
وفي هذا السياق، تؤكد اللجنة أن حقوق الصحفيين الذين قتلوا أو أصيبوا، وحقوق عائلاتهم، وكذلك حقوق المؤسسات الإعلامية التي تعرضت للاستهداف أو التدمير، لا يمكن أن تكون موضوعًا لأي تنازل سياسي أو اتفاق ثنائي يحرمهم من اللجوء إلى القضاء أو المطالبة بالحقيقة والمساءلة والتعويض.
وتذكّر اللجنة بأن قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما الحماية المقررة للصحفيين المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، تفرض على الأطراف واجب احترام هذه الحماية، كما تفرض على الدول اتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقيق الفعال في الانتهاكات الخطيرة وضمان عدم الإفلات من العقاب.
وتؤكد اللجنة أن تحقيق الأمن والاستقرار المستدام لا يتحقق عبر تجاوز حقوق الضحايا أو تعليق مسارات العدالة، بل من خلال الجمع بين إنهاء الأعمال العدائية واحترام قواعد القانون الدولي وترسيخ مبادئ المساءلة وسيادة القانون. فالتجارب الدولية أثبتت أن تجاهل حقوق الضحايا أو استبدال المساءلة بتسويات سياسية قصيرة الأمد يؤدي إلى تكريس الإفلات من العقاب وإعادة إنتاج أسباب النزاع.
وبناءً عليه، تدعو لجنة دعم الصحفيين (JSC) إلى:
• ضمان ألا يطبق أي اتفاق سياسي يتضمن تنازلا من أي نوع عن حق الضحايا في الوصول إلى العدالة.
• إصدار الحكومة اللبنانية لموقف رسمي واضح بشأن البند (13) من اتفاق الإطار الموقع في واشنطن، يؤكد أن أي التزام بوقف الإجراءات أو التحركات في المحافل الدولية لا يشمل، بأي حال من الأحوال، التنازل عن حق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، ولا يمس واجب الدولة في التحقيق والمساءلة عن الجرائم الخطيرة التي ارتكتبها إسرائيل بموجب القانون الدولي.
• اتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ الأدلة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة وتوثيقها، ودعم آليات المساءلة الوطنية والدولية المستقلة بما يضمن عدم الإفلات من العقاب.
• الحفاظ على حق الأفراد، بمن فيهم الصحفيون وعائلاتهم، في استخدام آليات التقاضي الوطنية والدولية المتاحة.
• دعم التحقيقات المستقلة والمحايدة في جميع الانتهاكات التي طالت المدنيين والصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
• ضمان جبر الضرر والتعويض العادل للضحايا.
• تعزيز حماية الصحفيين ووسائل الإعلام أثناء النزاعات المسلحة وفقًا للمعايير الدولية.
وتؤكد اللجنة في الختام أن العدالة هي الطريق الحصري الوحيد والمضمون لتحقيق الاستقرار بل هي شرط أساسي لاستدامته، وأن حقوق الضحايا في الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر حقوق أصيلة لا تسقط بالتفاهمات السياسية ولا يجوز التنازل عنها باسمهم.